السيد كمال الحيدري
321
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
على ما ارتكز في أذهانهم ، غير مُلتفتين إلى حقيقة خطيرة جدّاً ، وهي أنَّ الكثير من المعاني المرتكزة في أذهانهم هي وليدة الاستعمال العرفي لا الوضع اللغوي ، وبالتالي ينصرف الذهن العرفي إلى معانيه التي كان هو علَّة فيها ، وتغيب المعاني الأصلية ، وهذا ما يُشكِّل سابقة خطيرة ، لاسيَّما إذا كان النصّ المقروء هو النصِّ الديني الذي تترتّب عليه أُمور الدنيا والآخرة . ولعلَّ من أشهر هذه الموارد ما وقع فيه بعض المفسِّرين في توجيه كلمة : ( نَاظِرَة ) ، في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( القيامة : 23 ) ، حيث فُسِّرت بالإبصار الحسِّي ، وهو المعنى الارتكازي للمفردة ، أو ما نُسمّيه نحن بالمعنى الظاهري والأوّلي لها ، مع أنَّ القرينة العقلية مانعة من ذلك لاستحالة تحقّق الرؤية مطلقاً ، فتنصرف المفردة إلى المعنى الآخر وهو انتظار الرحمة ، ونحن لا نرى ذلك ضرباً من المجاز لأنَّ القرآن الكريم استحدث لها هذا المعنى الجديد بلحاظ القرينة العقلية ، وهذا الاستحداث القرآني هو ما يُطلق عليه علماء أُصول الفقه بالحقيقة الشرعية « 1 » ، والذي يُمكن أن نُطلق عليه في المقام بالحقيقة القرآنية ، لإخراج ما استحدثته السنّة الشريفة ، ولا
--> ( 1 ) من البحوث الثانوية في علم أُصول الفقه موضوع الحقيقة الشرعية والحقيقة المُتشرعية ، ومرادهم من الحقيقة الشرعية هو : نسبة الوضع في بعض المفردات لمعانٍ جديدة ، من قبيل ما استحدثه الشارع المقدَّس من معانٍ جديدة لمفردات الصلاة والزكاة والحجّ والشهادة . . الخ ، حيث يرى الأُصوليون بأنَّ هذه المعاني الجديدة إذا حصلت في عهد النبي صلى الله عليه وآله فإنه سوف تثبت الحقيقة الشرعية ، نسبة إلى الشارع المقدَّس ، وإن ثبتت بعد عصر النبي سوف تثبت الحقيقة المُتشرعية ، نسبة إلى نفس المُتشرِّعين ، وهم المسلمون تحديداً ، فبناءً على ثبوت الحقيقة الشرعية لابدَّ من حمل تلك الألفاظ الواردة في النصِّ الديني على معانيها الشرعية دون اللغوية عند الشكّ في معانيها ، ومع عدم ثبوث الحقيقة الشرعية لابدّ من الرجوع إلى معانيها اللغوية ، وظاهر كلمات الأُصوليين هو عدم ثبوت الحقيقة الشرعية . .